قراءة في كتاب // د. محمد تضغوت // بقلم الباحث مصطفى الدوبلالي

يوليو 2nd, 2006 كتبها عبد النور إدريس نشر في , كتابات الأصدقاء

 

           قراءة في كتاب د. محمد  تضغوت

"البنية الثقافية وقضايا الفكر  في المجال العربي الإسلامي"

 

بقلم الباحث مصطفى الدوبلالي

ترتبط بموضوع الثقافة والمثقف، إشكالية التعريف بالحد التام، والنمذجة وإشكاليات أخرى كثيرة ومتنوعة ،وهذا ما يجعل .من عملية المقاربة لهدا الموضوع النوعي- ذو القيمة الفعالة بالمعنى الإبستيمي- والذي شكل في العقود الأخيرة محور جذب واهتمام للعديد من مباحث البحوث والدراسات الأكاديمية ،عملا شاقا ،يتسم بالمجازفة و الخطورة .

ومن الدراسات التي سعت إلى بلورة وعي شقي، للظاهرة الثقافية في المجال العربي الإسلامي – مشرقا ومغربا،  باعتبارها ظاهرة اجتماعية وليس ظاهرة فوق المجتمع وتاريخ المجتمع كتاب :

"البنية الثقافية وقضايا الفكر في المجال العربي الإسلامي" لِ د. محمد تضغوت[1] .

منهجيا يدافع هذا الكتاب - القيم – عن قضايا عدة مركزية تشكل في مجموعها موضوعه المباشر والدينامي . ولعل أبرز قضية ترتبط بهذا الكتاب هي إرادة الطموح نحو عقلنة قضايا التاريخ الإسلامي ومن ضمنها  قضية الشأن الثقافي – وذلك من خلال قلب اطروحات الرؤى التقليدية التي تعتمد منطق الوصف والستاتيكية والتاريخ بالرواية دون الدراية، مما جعلها تخطئ - حسب الباحث- في الرصد والرؤية لقضيانا التاريخية وأيضا جعل تخريجاتها تعكس مأزق التقويم والتأويل والأحكام القبلية والإنطباعية والمغامرات اللامنهجية للحقل الثقافي الإسلامي – وغيره- كما ونوعا .

لهذا فالبنية الثقافية  في هذا الكتاب قد تم البناء لها انطلاقا من مدخل طويل معمق استهدف التأصيل  المنهجي والمعرفي لها ) ص ص 8-27 ( . ولعل أهم استنتاج يمكن للقارئء الخروج به هو تشديد الكتاب في مستوى أولي، على ضرورة اعتبار مقولة أن "سوسيولوجيا الفكر ليس بدعة" أو محظور يستلزم ويستدعي آليا اقتحاما أو خرقا له: فمقال البنية الثقافية في المجال العربي-الإسلامي لا يمكن التفكير فيه أو التأسيس والبناء له إلا داخل منطق يحترم جدلية العلاقة وهي – علائقية- بين البنى الفاعلة والمنفعلة في حقل الإقتصاد والإجتماع والسياسة والثقافة أي بين ما يسمى بالوعي الفردي  والواقع الموضوعي[2] كما أن كل بناء ثقافي – سواء استحضرنا المعنى الشائع ، أو المعنى الضيق  له – لا يمكن استيعاب مقوماته دون استحضار طبيعة الوظيفة أو الوظائف المناطة بالثقافة ذاتها ) من حيث كون كل ثقافة تقوم مبدئيا بوظيفة التكييف الجسدي  والإجتماعي والعقلي للإنسان( وأيضا طبيعة الوظيفة المناطة بالمثقف نفسه - عضويا  كان أم تقليديا[3] ) باعتبار أن المثقف كذلك قد تناط به وظيفة ما كالتنظيم والإكراه  والهيمنة  أو وظيفة التربية وبث الوعي الطبقي[4]

وأخيرا فكل مشهد ثقافي هوتجلي لمحدد  يشكل سببه الفعال.

 إن في استحضارنا لمجموع هذه المقدمات ما يدعونا إلى الإستنتاج بأن عملية التناسل الثقافي سواء كان هذا التناسل ذو طبيعة جنسية أو غير جنسية، هو أولا وأخيرا بناء مركب يصنعه التفاعل بين بنية الفكر وبنية الواقع المعقد.

-         المشهد الثقافي الإسلامي في تكوثره وانغلاقه :

                    ) تجليات ومحددات (.

أنتج العقل الإسلامي في زمن الذروة – زمن عصر التنوير البويهي ق4 هـ - محصولا ثقافيا جد متنوع، يعكس خصوبة الفكر الإسلامي لهذا القرن الذهبي لدرجة اتخذت معها البنية الثقافية في أكثر من قارة معرفية على صعيد الشكل الخارجي  – مظهر التجويف  En creux  وهو ما يجسد على صعيد الكم والتراكم،  ثقل الحصيلة المعرفية المنجزة خصوصا تلك التي تخدم علم الانسان بنفسه أو تلك التي تستهدف العلوم والمعارف الحاصلة بأدلة العقول أو السمعيات أو المحسوسات والضروريات وغيرها من مراتب العلوم التي يحصرها الأدب التراثي في أكثر من مرتبة معرفية مركزية هرمية الطابع  وتراتبية[5] تخضع في حركيتها كباقي الظواهر السوسيوثقافية الأخرى  لجدلية الزمان والمكان.[6]

وقد رتب - الباحث – في كتابه مختلف كيفيات التجلي للمشهد الثقافي الإسلامي – على سبيل الشاهد والتمثيل -  في أربعة مراتب معرفية كبرى وهي كالآتية :

·        المرتبة الأولى : الرياضيات والهندسة والفيزياء والجغرافيا ) ص ص 37- 42 (

·        المرتبة الثانية : الكمياء والصيدلة والطب ) ص ص 43 – 47 (

·        المرتبة الثالثة : ا

المزيد


الخطاب المائي في مجتمع الغرب الإسلامي (المنطوق والمفهوم) بقلم الباحث مصطفى الدوبلالي

يونيو 5th, 2006 كتبها عبد النور إدريس نشر في , كتابات الأصدقاء

الخطاب المائي في مجتمع الغرب الإسلامي

 (المنطوق والمفهوم)

الماء والعمران البشري: (منافع ومضار)

الماء(في صفائه وكدره، قلته وكثرته، تعدد أوصافه ونعوته1..) هو من الأشياء الضرورية التي لا بد منها لجميع ما يقع تحت جهة "الكون والفساد"2 ويتعلق الأمر بمجموع "الأجسام النامية" حيوانية كانت أم نباتية. الماء وفق هذا التكييف العام(الماء "الحلال" قياسا على وجود ماء آخر "حرام"3) حرام هو شيء "مقدس" (مرغوب فيه) "ونافع" (حسن التأثير).. وهذه المقتضيات المائية وغيرها، شكلت خلفية في أكثر من تجربة ثقافية نسجت من خلالها مجموعة من التمثلات والتخيلات المائية وذلك منذ فترة ما قبل الكتابة وإلى اليوم بحيث ظل الماء في إحداثياته الرمزية يمثل عنصر أو جرثومة germe التخصيب للأرض الحيوان والمرأة(4)

والماء في هذه الدلالات العامة والمعممة وما قد يرتبط بها من دلائل نجده يتضمن في ذاته معقوليته ومعناه. السؤال المطروح كيف يمكننا أن "نقرأ" أطروحة الماء خارج دلالته الأصلية والكونية هاته والمسطرة أعلاه: اقصد دلالة الخلق والإنشاء والإنبات وتجميل الكون واستمرار الحياة والبشرى والفرح… وباقي الرمزيات الأخرى الخيرة بطبعها والتي يحتويها هذا الخير الطبيعي؟ بأمر مختلف كيف نقرأ الماء في إطار مفهوم النقمة (العقاب والألم) وفي كل حالة أساء ويسيء فيها التأثير؟ (حالة تسونامي وأخواته خير نموذج معبر عنها) وهي الحالة التي أكل فيها الماء (الطوفان) الكائن والكينونة ويقتل الوحش والطير ويتلف الزرع والضرع"(5) ويحدث الغرق والوباء والمرض والموت. نعم تاريخ الماء في رمزيته يحتمل منطق الزوج (منافع مضار) مما يجعله قابل بطبعه لتخريجات عدة. هذا المقال لا يستهدف الإحاطة الشاملة أو الجزئية لرمزية مائية معينة(6) وإنما نطمح إلى الدخول الجملي لتاريخ الماء في الغرب الإسلامي مستنطقين منطوق نصوصه التاريخية ومفهومها لتبيان طبيعة الجهد المادي وغيره والذي سعى من خلاله هذا المجتمع إلى بلورة خطابه المائي.

"استدراج" الماء و"استحضاره"  في الغرب الإسلامي: جدل "الحقيقة" و"الشريعة".

المغرب والأندلس بلد "زرع وضرع" وهذا الإستنتاج الوصفي قد تقتضيه تلك "المشاهدات" المدونة في أدب الرحلة6 والتي نجد تأكيدات لها في تاريخ العملة أيضا، ومع ذلك فشواهد أخرى مضادة قد تجعل من بلد المغرب والأندلس بلد محل وإمحال، وهذا بدهي فالكون الطبيعي والإجتماعي لا يسير على نمط واحد فمن أزليات الغرب الإسلامي ذلك التعاقب الدوري التكراري لثنائية الخصب والجذب، وهو ما يفسر كون مغرب الأندلس ظل يمتار من أندلس المغرب والعكس صحيح أيضا. هل يخفي أو يظهر الزوج (جذب خصب) حالة مكر ما بشري أو إلهي؟ ما هو مؤكد وأكيد أن حالة الجذب كحالة الخصب ظلت تفرز دائما أثارها السوسو اقتصادية فالذهنية والسلوكية.

: ففي الجذب ترتفع الأسعار وتقل الميرة في الأسواق وتكثر الموتان خصوصا في صفوف "الضعفاء وأهل البادية" لدرجة قد يلجأون معها إلى أكل ما هو محرم الأكل وملتبس الأكل، أما مباح الأكل فمنعدم في هذه الظروف –ولا يجوز الإعتراض في المحرمات على الضرورات كما يقال- وهذه الدراما في الغرب الإسلامي، غالبا ما كانت تبدأ أولى مؤشراتها بالظهور إذا لم يسقط المطر في وقته ولا سيما فيما يعرف "بمفتاح السنة" لتصبح هذه الدراما أكثر دراماتكية عندما يتزامن بخل السماء بالمطر وبخل سحابة الملك بالدرر (على الرغم من أن هذا الإحتمال يبقى غير وارد إذا أخذنا بمنطوق النص التاريخي الذي يفيد أنه مع المحل غالبا ما كانت تصدر "أفعال جميلة" من السلطة، ذلك أنها كانت تأمر في هذه الظروف بفتح المخازن المعدة لاختزان الطعام للعامة)7. وصيغة الفعل الجميل للسلطة تعبير مجمل رغم طول النص المعبر عنها ففتح المخزن  للأهراء إبان الأزمات لم يكن من باب الإحسان او الصدقة بل كان بمقابل ومعناه أن السلطة كانت تبيع للعامة والبسطاء أثناء الأزمات القوت اليومي بسعر معقول لينقلب هذا الوضع  رأسا على عقب مع كل غيت لدرجة أن الحنطة التي كانت

المزيد