قراءة في كتاب د. محمد تضغوت
"البنية الثقافية وقضايا الفكر في المجال العربي الإسلامي"
بقلم الباحث مصطفى الدوبلالي
ترتبط بموضوع الثقافة والمثقف، إشكالية التعريف بالحد التام، والنمذجة وإشكاليات أخرى كثيرة ومتنوعة ،وهذا ما يجعل .من عملية المقاربة لهدا الموضوع النوعي- ذو القيمة الفعالة بالمعنى الإبستيمي- والذي شكل في العقود الأخيرة محور جذب واهتمام للعديد من مباحث البحوث والدراسات الأكاديمية ،عملا شاقا ،يتسم بالمجازفة و الخطورة .
ومن الدراسات التي سعت إلى بلورة وعي شقي، للظاهرة الثقافية في المجال العربي الإسلامي – مشرقا ومغربا، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وليس ظاهرة فوق المجتمع وتاريخ المجتمع كتاب :
"البنية الثقافية وقضايا الفكر في المجال العربي الإسلامي" لِ د. محمد تضغوت[1] .
منهجيا يدافع هذا الكتاب - القيم – عن قضايا عدة مركزية تشكل في مجموعها موضوعه المباشر والدينامي . ولعل أبرز قضية ترتبط بهذا الكتاب هي إرادة الطموح نحو عقلنة قضايا التاريخ الإسلامي ومن ضمنها قضية الشأن الثقافي – وذلك من خلال قلب اطروحات الرؤى التقليدية التي تعتمد منطق الوصف والستاتيكية والتاريخ بالرواية دون الدراية، مما جعلها تخطئ - حسب الباحث- في الرصد والرؤية لقضيانا التاريخية وأيضا جعل تخريجاتها تعكس مأزق التقويم والتأويل والأحكام القبلية والإنطباعية والمغامرات اللامنهجية للحقل الثقافي الإسلامي – وغيره- كما ونوعا .
لهذا فالبنية الثقافية في هذا الكتاب قد تم البناء لها انطلاقا من مدخل طويل معمق استهدف التأصيل المنهجي والمعرفي لها ) ص ص 8-27 ( . ولعل أهم استنتاج يمكن للقارئء الخروج به هو تشديد الكتاب في مستوى أولي، على ضرورة اعتبار مقولة أن "سوسيولوجيا الفكر ليس بدعة" أو محظور يستلزم ويستدعي آليا اقتحاما أو خرقا له: فمقال البنية الثقافية في المجال العربي-الإسلامي لا يمكن التفكير فيه أو التأسيس والبناء له إلا داخل منطق يحترم جدلية العلاقة وهي – علائقية- بين البنى الفاعلة والمنفعلة في حقل الإقتصاد والإجتماع والسياسة والثقافة أي بين ما يسمى بالوعي الفردي والواقع الموضوعي[2] كما أن كل بناء ثقافي – سواء استحضرنا المعنى الشائع ، أو المعنى الضيق له – لا يمكن استيعاب مقوماته دون استحضار طبيعة الوظيفة أو الوظائف المناطة بالثقافة ذاتها ) من حيث كون كل ثقافة تقوم مبدئيا بوظيفة التكييف الجسدي والإجتماعي والعقلي للإنسان( وأيضا طبيعة الوظيفة المناطة بالمثقف نفسه - عضويا كان أم تقليديا[3] ) باعتبار أن المثقف كذلك قد تناط به وظيفة ما كالتنظيم والإكراه والهيمنة أو وظيفة التربية وبث الوعي الطبقي[4]
وأخيرا فكل مشهد ثقافي هوتجلي لمحدد يشكل سببه الفعال.
إن في استحضارنا لمجموع هذه المقدمات ما يدعونا إلى الإستنتاج بأن عملية التناسل الثقافي سواء كان هذا التناسل ذو طبيعة جنسية أو غير جنسية، هو أولا وأخيرا بناء مركب يصنعه التفاعل بين بنية الفكر وبنية الواقع المعقد.
- المشهد الثقافي الإسلامي في تكوثره وانغلاقه :
) تجليات ومحددات (.
أنتج العقل الإسلامي في زمن الذروة – زمن عصر التنوير البويهي ق4 هـ - محصولا ثقافيا جد متنوع، يعكس خصوبة الفكر الإسلامي لهذا القرن الذهبي لدرجة اتخذت معها البنية الثقافية في أكثر من قارة معرفية على صعيد الشكل الخارجي – مظهر التجويف En creux وهو ما يجسد على صعيد الكم والتراكم، ثقل الحصيلة المعرفية المنجزة خصوصا تلك التي تخدم علم الانسان بنفسه أو تلك التي تستهدف العلوم والمعارف الحاصلة بأدلة العقول أو السمعيات أو المحسوسات والضروريات وغيرها من مراتب العلوم التي يحصرها الأدب التراثي في أكثر من مرتبة معرفية مركزية هرمية الطابع وتراتبية[5] تخضع في حركيتها كباقي الظواهر السوسيوثقافية الأخرى لجدلية الزمان والمكان.[6]
وقد رتب - الباحث – في كتابه مختلف كيفيات التجلي للمشهد الثقافي الإسلامي – على سبيل الشاهد والتمثيل - في أربعة مراتب معرفية كبرى وهي كالآتية :
· المرتبة الأولى : الرياضيات والهندسة والفيزياء والجغرافيا ) ص ص 37- 42 (
· المرتبة الثانية : الكمياء والصيدلة والطب ) ص ص 43 – 47 (
· المرتبة الثالثة : ا













