رواية العقل السردي في حدود تفكيكه
قراءة نقدية للباحث عبد النور إدريس
مدخل:
إن متعة التلقي الذي تحيل عليه رواية قلادة قرنفل يأخذ بتلابيب الإبداع وينسج خيوط النضج الإبداعي الخلاق يتداخل فيه الشاعري بعلم الحياة اليومية.
فالمدارات الإبداعية التي شغلت زهور ﮔرام طرحت فيها السؤال الأنتروبولوجي على كينونة النساء، فالظلم الموجه للنساء يتمركز منبعه في الأصل الأول للمعاني، فحتى عندما تكون المرأة بطلة رواية وذات جبروت كما هي الحاجة بالمتن تحس الشخصيات النسائية معها بطعم نفس الهزيمة ، بنفس البناء الذكوري للمواقف والمشاعر، وبذلك لفتت زهور ﮔرام انتباهنا إلى أن إعادة صياغة المشتغل على أسئلة تحرر المرأة يجب أن تأخذ شرعيتها خارج الأقلمة اليونانية للمفاهيم، بعيدا عن الأنظومة الميتافيزيقية المتمركزة حول الذات الذكورية،إن قلادة قرنفل تقر بوحدة الأصل في ظلم المرأة وأن صفة القهر مرتبطة بالأًًصل وملازمة له وما العمة سوى نسخة عن الأصل منفذة لإستراتيجيته في تقييد الاختلاف، بذلك أصبح طرح الأسئلة الجديدة أهم من كل الإجابات التي استهلكها العقل العربي في ارتحاله.
إن المعنى الحقيقي للإنسان تحتكره مغامرة اللغة الشعرية بالرواية وحيوية الأفق النظري لحياة تغمرها الأبعاد النضالية للساردة مكسوة بنكهة العشق.
وقد تحلم المؤلفة بالحرية متخيّلة في ذلك الحدود القصوى لانطلاقها بالحكي،إلا أن الساردة تؤسس بالرواية منطقها الخاص انطلاقا من زاوية "الرؤية ضد" ضد ما يؤسس دونية المرأة أويقارب صورة مشوهة عنها.
تتحول ساردة زهور ﮔرام إلى مناضلة لتحرير الرجال من منطق اختلفت أشكاله عند انطلاقه من بؤرة المعاني ، من اللبس المنهجي لتداخل الطبيعي والثقافي منذ أرسطو إلى الآن.
وتلتمس المؤلفة في وظيفة السرد أصواتا نموذجية تدعو التاريخ البشري لإدراك ذاته والتخلص من وهم امتلاك الحقيقة.
إن رواية قلادة قرنفل رواية مستقبل السرد النسائي بالعالم العربي كشفت عن الصرخة المكتومة للمرأة العربية أمام تناقضات الكون النفسي الذي يحيطها كحريم وكسجينة للمجتمع و للميتافيزيقا.
لقد أحست ساردة زهور ﮔرام في دعوتها الصحو لصالح بأن الماضي يستعد لاغتيال الحاضر فعزف منطق الحكي عن المواصلة لقناعته بأن، الزمن سيعود لدورته العادية، من ذلك عنّ لنا أن نطرح السؤال التالي : من سيقوم بتحضير عصير البرتقال؟
سؤال جوهري ، يعيد إنتاج المفارقات المتشنجة بنص زهور ﮔرام ، عبر كتابتها الروائية المشتملة على كافة الميكانيزمات التقنية لكتابة سردية متميزة توفقت في جعل التوازن يهيمن على المنطقي والخيالي ، الجمالي والشاعري ، الطبيعي والثقافي واليومي والأزلي…
-1 - مستويات تحقق الذات الساردة
يتحدد العالم الروائي في قلادة قرنفل من خلال العوالم الداخلية التي يحيل عليها والتي تحتل فيها المرأة الفكرة التي تأخذ بعدا خاصا من خلال صمت الشخوص " الصمت الخلاق" الذي يشع خجلا عبر ضمير المتكلم " أعرف أنني شاهدت خجلا من صمت يلبسني" (1) .
إن الساردة ابنة أحد المقاومين للمستعمر مات مغبونا في مقاومته من طرف طوابير الخيانة والنفاق..مغبونا في إرثه وصوته من طرف أخته "الحاجة فضيلة" ،حفظت له الساردة ذكراه أغنية ووصية على كل استعلاء، تخترق عبره الأسس الحقيقية للمواطنة الحقة، وهي في صراعها مع عمتها تضع يدها على أسباب قهر النساء في مجتمع ذكوري يمارس تعاليم المدبحة الرمزية والثقافية للجنس الآخر في كل تحركاته.. ومع وعي الكاتبة بجوهر المشكل تحاول في روايتها هاته تحرير الكل من قبضة الجزء.
إن العلامات الرمزية والاجتماعية للساردة هنا قابلة للرؤية من لدن القارئ الذي يجعل النص قادرا على العطاء المتجدد باعتباره يمتلك قدرات تأويلية ليست بالضرورة هي قدرات المؤلفة، وبذلك أصبح القارئ جزءا من العمل الفني ، فبه تتحقق للنص أبعاده وإستراتيجية مدلولاته، لكن القارئ الذي يوظف آلية دفاعه ينشط ذاكرة الأشياء وخاصة ذاكرة الجسد في تلقيه للنص النسائي..
إن التحليل الذي سنعتمده في هذه المقاربة ينزع إلى تضمين الطابع المنطقي على رواية زهور ﮔرام " قلادة قرنفل ".
فالنص الذي بين أيدينا يرصد العلاقة القائمة بين الألفاظ وبين العبارات أو الجمل أفقيا وعموديا بينما تذوب بنية النص كوحدة دينامية في ثنائية شكل / مضمون فهي جسر للعبور إلى الدلالة، فالصلة بالمضمون في الرواية واردة هنا إلا أن ما تملكه المبدعة بالنص لا يتعدى التميز اللغوي في تشفير الشخصية الروائية، الذي يفيض بالمضمون نحو آفاقه الملتبسة على المتلقي، كاعتبار الشخصية بالمتن ضميرا نحويا تتحدث الجملة التركيبية للساردة وتستعمل نسقها النحوي والمعجمي.
كما أن صوت الساردة ليس كيان يعيش في عزلة وإذ نتحدث عن العقل السردي برواية زهور ﮔرام نضع نصب أعيننا الفرق المنهجي بين السارد والمؤلف وقد نبه وولف غانغ كايزر Wolfgang kayzer إلى أن " السارد شخصية مختلفة تنتمي إلى العمل الأدبي في جملته" (2) كما وصفه واين بوث w .Booth ب "الأنا الثانية للكاتب " Le second moi de L’auteur)) (3)، وهو في فن الحكي ليس أبدا المؤلف بل دورا يتبناه المؤلف للقيام بسرد الأحداث، فالنص هنا يظهر منذ الصفحة الأولى مصحوبا بالتمرد المستمر لصوت القارئ المتتبع لمفاصل النص الأدبي والذي وجهت له الساردة دعوة الانخراط لفك عناد النص عندما قالت " فقد تواعدنا أنا وهو … أردنا أنا وهو ..وربما أردتَ أنتَ أيضا..أن نركب فكرة..فكرة.. " ص:52
وقد تتنوع قراءة قلادة قرنفل بتنوُّع تلقيها والمستقبل لها حسب الرهانات التي تخلقها شروطها الثقافية، وهكذا يمكن أن تكون هناك قراءة بعيون أنثوية فتتلمس المتلقية الثيمات الأساسية بالمسرودة النسائية : الحرية ،التحرر، الاحتجاج أوقراءة بعيون ذكورية تنجح في التواصل مع النص على مستوى ثيماته بالمحفل السردي: البوح ،الإصغاء للجسد والإنصات للاعترافات من حيث اعتبار كل المتون السردية النسائية لدى المتلقي ما زالت لا تخرج عن إطار السيرة الذاتية. وقد تثار المرأة المتلقية للنص حسب مستوى الأنوثة الذي تصل إليه أو تتمناه و يكون واقع الأنثى أنداك ناتج عن قدرتها كمتلقية، وجود صيغة لتقبلها إثارتها لنفسها وهو واقع تستلهم منه بالأساس إثارة امرأة أخرى داخلها.
فتنويعات الإثارة النسوية بالرواية استطاعت عبره زهور ﮔرام أن تجعل منه ليس كونا لغويا فحسب بل جعلتنا ندرك الاهتزازات النفسية للكائن السردي وللأشياء المحيطة به.
فالإثارة بالكلمات تأخذ بديل إثارة الكلمات ذاتها عند زهور ﮔرام، فالمرأة هنا تصل درجة إثارتها القصوى بحسب أنموذج الأنثى الكاملة بداخلها، فالإثارة تثير وهما سحاقيا يفترض وجود المرأة أمام المرآة لإزالة آخر ما يربطها بالعالم المفارق،(الملابس) التي تمايزها عن الجنس الآخر، لتجد أنها تُعرَّف وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي من خلال تركيز المجتمع على رموز وظائفها البيولوجية، إذن فهي هنا ضائعة، و لا متحددة ، إن الإثارة تلعب لعبة البداية اللغوية ، الانخراط الفجائي واللاإرادي داخل اللغة، إذ الإثارة تحيي في الكائن وضعيته الفاعلة داخل الكلام وهو هنا الكلام " القرنفلي" بامتياز الذي يشير إلى القهر الحقيقي الذي تعاني منه المرأة ، فالشكل الذي عالجت عبره زهور ﮔرام هذه الثيمة مع تغييب صوت الرجل بالمتن الروائي وإعطاء البطولة لشخصيات نسائية هو الذي كشف بالملموس أن أشكال القهر التي تلحق بالمرأة تكمن في عجرفة الأسباب السياسية والاقتصادية، ومن غير الالتفات إلى هذه الأسباب سيكون تحرر النساء على مستوى الواقع تحررا شكليا مظهريا فقط، فالحرية السياسية في العالم العربي هي الممر الواسع نحو باقي مصادر الحرية الاجتماعية و الفكرية والاقتصادية.
" فالحرية السياسية، هي البوابة الكبيرة والمعبر الواسع نحو باقي وجوه الحرية في عالمنا العربي.(4).
و انطلاقا من هذه المقاربة كان لرواية قلادة قرنفل بناء قناعتنا بأن السرد النسائي يتواصل بشكل إبداعي خلاق بمنطق ومعمارية الخيال باعتباره يضع للذات فرصة التعبير عن معاناتها وإدراك الوضْعات الجديدة لكينونتها، عبر صوت الساردة الواضح في السرد النسائي الذي منح المتون الروائية إمكانية تكسير زمن السيرة الذاتية والتأسيس لإمكانيات سردية أخرى كالانتقاد بالسخرية ومقاومة التهميش بالبوح والاعتراف والسفر في الذات عبرالتدفق الشعوري والحكي.
2- الصوت المنفرد أو احتكار الحكي .
وفي قراءة سريعة للعمل الروائي يظهر أن المبدعة زهور ﮔرام لم تفسح المجال للأصوات "الأخرى" كي تعبر عن صوتها الخاص فقد طغت الرؤية المونولوجية للساردة بالمتن وعبرت في كثير من المواقف عن رؤيتها الخاصة للحياة ،فاستخدام زهور كرام للمونولوج يدفعها بالتأكيد إلى استغلال طاقتها الشعرية ، لذلك كان ميخائيل باختين في نظريته للرواية يلح على ضرورة اختفاء رأي الكاتب حول الشخصيات والمواقف كي يتيح للقارئ أن يصوغ رأيه الخاص به مما يعطي للتلقي بعده الشامل داخل الفئات القارئة التي تجيء إلى الرواية لتحيى لحظة من العالم تكتشف فيه ذاتها .
وقد كان المعنى الذي تحيل عليه مواقف النص أرادت له الساردة أن يتركز في النهاية نهاية الحكي قبل الأوان والتي جعلت الشخصيات بدون وجود إنساني ، فعمق الوجود هو أن تجد الذات من يصغي إلى كينونتها" فالوجود الإنساني حوار مع العالم ، والنشاط الأشد احتراما هو الإصغاء وليس الكلام"(5)
إن الصمت قد شل كل من شخصيات المتن في الانتشاء بوجودها (أم البطلة ،فاطمة، زهرة ،أب البطلة ، زوج العمة..) ، قد نجد في حضور الاستثناء عزاء عن هذا الغياب حيث تركز معنى الرعب الكابوسي للوجود في الصوت المنفرد لفاطمة بالرواية عندما قالت واضعة علامات الاستفهام على عقل الساردة وقد أسس حوارها للزمن الشاعري الذي تضعه الساردة في مواجهة الزمن الأنتروبولوجي للسلطة"دعيني أطهر البيت.. دعيني أغسله بدموعي على زهرة (…) كانت وجهي الآخر الذي أنتظره..(..)..أريد لأعمدة البيت أن تتصدع" ص:185. " دعيني أنشر حزني…دعيني أقلم جرحي ..دعيني أبكي.. إني أرى موتي في نعش زهرة.." ص: 186. إنها لغة شاعرية ، لغة الداخل تجسد عوالم الأعماق بكل صراعاته ، وهي ردود فعل ملتصقة بالمرأة حين مصادفتها لأي أزمة الانهيار بالبكاء "دعيني أشق الجدار بالبكاء" ص: 185، وإخفاء هذا الانهيار" وهاهي دقات قلبي ترتفع..وها أنا أهتز من مكاني " ص:197.
فاللغة مسكن الوجود ، وبالحوار- الغائب لاشعوريا والحاضر في توجيهه – نستمع إلى التموُّجات النفسية للأشخاص" إننا نحاول أن نستمع إلى صوت الوجود" (6)، فالاستماع حياة أبدية تحياها الشخصيات بالنص ، بالحوار أولا وبوجود خاصية التأويل وهي كلها تعبير عن صوت الوجود فالتاريخ النفسي للشخصيات الذي اجتهدت الساردة في نقله إلينا عصف بالاختلاف والغيرية والتعدد داخل بنية النص الذي اعتمد في تجلياته على تقنية الحديث عن الآخر وكتابة تاريخه بما تريده ذات الساردة، فلم تتمكن لغة النص من تضمين تاريخية الإنسان" إذ أن اللغة تتضمن – بواسطة الحوار- تاريخية الإنسان، فتقرب بين البشر بالنطق والسماع، ويغدو الحوار سمة الوجود، وبه يتشكل وعينا لذواتنا، .. حيث لا يوجد العالم إلا حيث توجد اللغة" (7) ، فالفعل السردي باللغة عمل ممكن نعرف من خلاله الوقائع الماضية لكل شخصية على حدة تتأسس بموجبه معرفتنا بالماضي.
فمن الصعب مطالبة الكاتبة بالتجرد من ذاتها ولكن لا بد من مطالبة المبدع بأن يفسح المجال للأصوات الأخرى في روايته أن تعبر عن صوتها الخاص، فلا تطغى رؤيته للحياة عليها (8) .
3- العنوان كمغامرة للحكي
إن ترابط العنوان بالنص له دلالة تجعل العنوان اسما شخصيا للنص يوحي بدلالات لا متناهية ، وقلادة قرنفل تحمل تلك الحمولة الدلالية الثاوية في العنوان وقد نادى جيرار جينيت بضرورة معرفة تبريرات استخدام العنوان فماهي تبريرات استخدام عنوان " قلادة قرنفل"؟.
إن عنوان روايتنا يتحول هنا إلى الرواية ذاتها ، فقد كان القرنفل دائما علامة على المرأة من حيث وظيفته فهو رمز ثورتها ضد الاستعمار وهو كقلادة يجثُم على أبواب الرواية كالإغريقي أمام باب الحكمة لا يعرف الأسئلة وإنما يعرف الأجوبة، ويعرف الحلول قبل معرفته بالألغاز.
إن عنوان الرواية قد أجاب قبل أن نُسائله فأحالنا على أشكال وصور لا متناهية تجسد فيها المعنى بشكل صارخ.
- فهل يمكن أن نكتفي بالعنوان قبل معرفة ما بالحكاية؟.
إن العنوان يجب " أن يشوش على الأفكار لا أن يقولبها" (9).
- فهل شوش عنواننا على الأفكار أم قولبها؟
ونضم هذا الاهتمام السيميولوجي بالعنوان إلى طرح تساؤل آخر حول الكيفية التي يكتسب فيها العنوان قوته وسلطته ومشاكسته وعنف إيحاءاته.
يتناغم العنوان مع دلالته بالمتن السردي، فهو يحدد كينونته ويشير في معناه على قلادة … على جيد امرأة أو ينتظر في الأدراج كي يحتل موقع الجيد منها ، من هذا المنظور لا يختلف القراء في تلقي شكلية هذه الدلالة وعند الانغراس في تلقي المدلول الثقافي للقرنفل كمادة للزينة والاستعمال الأنثوي نجده بالنص يخلق حقولا دلالية خاصة يتجاذبها الصراع مع الحاجة فضيلة ، يحيطه هاجس التجميع حبة حبة واحتكار تجارب الساردة الجنسية ضمن دفتي كتاب، كما يحيطه التشتت وهو إذ يفعل ويصنع مواقف الشخصيات ضده بالسلب والإيجاب يتماهي كقلادة رتبت نفسها مع "أنا" الساردة فيصبح القرنفل " الأنا الثالثة" للكاتبة حيث تأتي عبارة " أنا والقلادة " كلازمة نفسية تتكرر على امتداد المتن الروائي عشر مرات (ص: 20-1، 173-1 ، 174-3، 175- 1، 176- 3، 180- 1).
إن القرنفل الذي لا يسْطع أريجه القوي إلا وهو مجمع في قلادة يحكي تاريخ عشق الساردة، تضعه كمرجع للانطلاق وذلك التاريخ يصبح رائعا يلغي الزمن ، يطوي الليل من دون إدراكه وتبقى النشوة حاضرة تسطع في الاشتهاء ، في الرغبة وفي إسكات الزمن وتعطيله " يمتص الزمن أثقالي " ص:180.
إن القلادة تعكس الفضاء النفسي للساردة فهي التحرر غير المشروط، التحرر الشاعري للذات من عنف الحياة اليومية في حياة الوطن الذي يستسيغ مذاق الروح في شوارع لندن، والانعتاق من سلطة "الجبة " كسلطة ثقافية ملتحمة بالسلطة السياسية إلى حد الذوبان .
إن الحاكية بدون قلادة لا تجد نفسها إلا داخل المغلق ، المكبوت والسالب للحرية ومع القلادة بدأت تتلمس طريق الفعل في الحكي والوعي بالذات والآخر الذي تجره إلى إدراك ذاته (صالح) لقناعتها اللاشعورية بأن حريتها مرهونة بتحرر الآخر" فقضية تحرر المرأة هي دعوتها أن تغزو الجانب المعتم من انغلاق الرجل على تحرره"(10) من ثم نفهم تساؤل الساردة المثقفة للكيفية التي تعيد بها الآخر إلى الصحو بعدما أدركت معنى التساؤل بحرية عن مغتصبها " كيف أعيده إلى الصحو" ترددت هذه الصرخة المتعمقة في معرفة إشكالية المرأة المعاصرة خمس مرات بصفحات
150-2، 151-2، 153-1، )، فهي تريده مستيقظا من وهم سلطته الذكورية حرا من وهم المرجع الماترياركي الذي أخذ عنه جميع السلط ، تريده طليقا ينشد الصحو العام من أسطورة الذكر المأخوذ ببريق الكراسي والتربع على العرش الثقافي وليس غريبا أن يأتي هذا الانخراط الصعب للتحسيس بوضعيتها كساردة مهزومة النضال الاجتماعي الكلاسيكي بعد أن استنفذت رنين التساؤل حول المغتصب بالفصل الثامن عشر " من ذا الذي اغتصبني…." ص:128
بدأت الساردة مع القلادة تقتحم المفتوح كفضاء مكاني يأتي عرضا ولا يخلق أُلفة معها، يترك الوصاية على ما حوله للمقتحم في اختيار وسائل تحرره الذاتي من بلاغة السلطة: سلطة الداخل كجبة.
فالقرنفل كقلادة ناضجة الرياحين خضع في زمن الرعونة لمحاكمة الكون النفسي لثنائية العمة/ الحناء، وتحول أريجه إلى شارد يعتريه في منفاه تشتت الهوية حيث أخذ معه كيان الساردة ، فالقلادة تدخل في علاقة مسؤولة مع "الأنا" تندمج فيه عناصر الواقع بالتخييل ، فتجميع القرنفلات من جديد هو وسيلة لتأسيس الهوية ، تأسيس الحكي على مصير يأخذ من لغز القرنفل استعمالاته الكونية الخاصة بالمرأة والتي تجد فيه الحكاية التأريخ اللاعقلاني لزمن الارتشاف الذي يبدأ رحيقا " في القلادة يمتص فيها
المزيد